محمود جابر
حين
بلغ النبى بجيشه مشارف المدينة قافلا من تبوك، أمر فريقا من الجيش بالتوجه إلى
مسجد من أجل هدمه، وقد نعتت المصادر التاريخيّة المسجد بمسجد الشقاق، كان ذلك في
السّنة التّاسعة للهجرة، و لم تقدم هذه المصادر أيّة معلومات إضافيّة عن دوافع
القرار، لكنّ التسميّة توحي بأنّ بُناة المسجد كانوا يسعون للقيام بحركة ذات طابع
انشقاقيّ عن الإسلام و في نطاق الإسلام، و الحادثة تغري باستجلاء أبعادها على
الرغم من أنّ المؤرخين لم يولوها أيّة أهميّة باعتبارها حادثة ثانويّة في التاريخ
الإسلامي المبكر؛ و غرضنا في هذا البحث تحليل المعطيات المتوفّرة في المصادر
التاريخيّة المختلفة من أجل استجلاء غموض الحدث ، والوقوف على دلالات الحدث.
من
أجل دراسة هذه الحادثة يتأتى علينا دراسة البيئة الاجتماعيّة في المدينة حينذاك،
ولكي تكـون الصورة جليةً فنحن مضطرون على وجه الخصوص لدارسة أحداث السنتين
الماضيتين السياسيّة.
فتح
مَكَّة ( رمضان 8 هـ - يناير/كانون
الثاني 630
م )
على
أثر النزراع المسلح الذى حدث بين بني بكر ـ حلفاء قريش ـ و خزاعة ـ حلفاء النبى ـ
، قام النبى بنقض صلح الحُدَيبيَة و الّذي عُقد في 6 هـ / 628 م بينه و بين قريش، و لم يكن قد مضى عليه أكثر من اثنين و عشرين شهراً ؛
فرأى أنه في حلٍّ من الالتزام بميثاق الهدنة مع قريشٍ بعدما قامت قريشٌ بإمداد بني
بكر بالسلاح ، و شارك بعض مقاتليها ضد حلفائه الخزاعيين .
تمكن
النبى من جمع عشرة آلاف مقاتل : من بني سُلَيم ، و بني غِفار ، و
من أسْلَم ، و من مُزَيْنة ، و من جُهينة ، و هي قبائل متمركزة حول المدينة ،
علاوة على المهاجرين و الأنصار ، و مجموعات من تميم ، و قيس ، و أسد .
لما
وصلت الجيوش إلى مشارف مَكَّة ، كان سعد بن عبادة يحمل راية المسلمين؛ فتناقلت
الألسن قولاً على لسانه : (( اليوم يوم المَلحَمَة ، اليوم
تُستَحَلُّ الحُرْمَة ، اليوم أذلّ اللّه قريشاً ))،
فأخبر أحد المهاجرين النبى. و قيل إن سعداً قالها أمام أبي
سفيان عندما مرت أمامه كتيبة الأنصار ، و إنه قال : (( يا
أبا سفيان اليَوْمَ يَوْمَ الْمَلْحَمَة الْيَومَ تُسْتَحَلّ الْكَعْبَةُ )) ؛
مما دفع عثمان ، و عبد الرحمن بن عوف إلى التحذير من عواقب هذا الوعيد ، و قالا : ((
ما نأمن أن تكون له في قريش صَوْلةٌ ! )) ، و
خوفاً من ذلك أخذ النبى منه الرّاية و أعطاها لعليّ بن أبي طالب، أو للزبير، أو
لقيس بن سعد ـ ابنه ـ ، و رفض مقالة سعدٍ ، فقال : (( كذبَ
سعدٌ و لكنْ هذا يوم يُعظّم اللّه فيه الكعبة )). و
يبدو أنّ السبب الذي دفع بسعد لهذا القول هو إنّه لم يكن قد نسي كيف أنّ قريشاً قد
قبضت عليه عقب بيعة العقبة الثانية بينـا كان يغادر مَكَّة، و ربطوا يديه إلى عنقه
بِنِسْع رَحْله، و جاءوا به إلى مَكَّة
يضربونه، و يجرونه بشعره، و لم يتحرر منهم إلا عندما حرره جبير بن مطعِم و الحارث
بن أميّة، و كان يجيروهما في يثرب .
لم
يلق جيش النبى أى مقاومة من القرشيين، باستثناء مجموعة تمركزت بالخَنْدمة لتقاتل
بقيادة صَفْوان بن أُميَّة، و عِكْرمة بن أبي جهل، و سُهيل بن عمرو، فجرت بينها و
بين قوات خالد بن الوليد مناوشات انهزمت على إثرها المجموعة المدافعة .
لم
يحاول النبى التنكيل بالمنهزمين، أو خرق نظام المدينة المستسلمة الداخلي، و قد تجلّى
ذلك عندما طلب أحدهم من النبى أن يجمـع لبني هاشم الحِجابـة مع السِّقاية؛ فرفض
مُحَمَّدٌ ذلك، وطلب استدعاء عثمان بن طلحة ـ الذي كان مسؤولاً عن الحجابة ـ ،
فدُعِي له ، فقال : (( هاكَ مِفتاحك يا عثمان ،اليومُ
يومُ برّ و وفاء )) . لكنّ بعض وجوه قريش لم تكن تشعر
بالرضى ، فوصلت إلينا بعض التعليقات الساخطة .
تعليقات
القرشيين الساخطين:
لما
جاء وقت الظهر أمر مُحَمّدٌ بلالاً أنْ يؤذن على ظهر الكعبة ، فلما أذّن استنكر
القرشيون أنْ يؤذن على ظهرها رجل أسود، و قالت جويرية بنت أبي جهل : ((
لقد أكرم اللّه أبي حين لم يشهد نهيق بلال فـوق الكعبة ))، و
قيل إنّها قالت : (( لقد رفع اللّه ذكر محمّد ، و أمّا
نخن فسنصلي و لكنّا لا نحب من قتل الأحبة )) ، و
أضافت ـ حسب الأزرقي ـ (( و لقد جاء إلى أبي الذي كان جاء
إلى محمّد من النّبوّة فردها و لم يرد خلاف قومه ))، و
قال خالد بن أسد: (( لقد أكرم اللّه أبي فلم يرَ هذا
اليوم )) ، و كان والده قد مات عشيّة فتح
مَكَّة ، و قال الحارث بن هشام : (( ليتني متّ قبل هذا اليوم )) ،
أو (( وا ثكلاه ! ليتني
متّ قبل أنْ أسمع بلالاً فوق الكعبة )) أو (( ما
وجد محمّد غير هذا الغراب مؤذناً )).
بالرغم
من أنّ هذه التعليقات كانت تعبيراً عن عدم الرضى، إلاّ إنّ الدخول السلمي للمدينة
قام بالحفاظ على الطابع السلمى لها، وسمح بدمج مَكَّة عمليّاً بالمشروع المحمّدي .
معركة
حُنَيْن
لم
يكد النبى يمكث في مَكَّة نصف شهر؛ حتّى زحفت نحوه هَوازِن و ثَقيف ، بقيادة مالك
بن عوف النصَّرْي ـ رئيس هَوازِن، و كان عمره يومئذ ثلاثين سنة فعسكروا بحُنَيْن
من أجل محاربة المسلمين ، و قد طلب ابن عوف من المقاتلين اصطحاب أموالهم و نسائهم
و أبنائهم كي لا يفكر أحد من مقاتليه بترك ساحة المعركة، لأنّه أراد أن تكون
المعركة دامية، و نهائيّة .
خرج
النبى لمواجهة القوات القادمة ومعه ألفا مقاتل من أهل مَكَّة مع المقاتلين الذين
شاركوا فى فتح على مَكَّة ، فبلغ عددهم اثنا عشر ألفاً .
اصطدمت
القوتان في وادي حُنَيْن، فدارت الدوائر على جيش النبى إذ انهزم في البدء بنو
سُليم، و تبعهم أهل مَكَّة، ثم بقية المجموعات القبليّة؛ فعبّر أبو سفيان بن حرب
عن شماتته ، فقال : (( لا تنتهي هزيمتهم دون البحر )) ، و
صرخ جَبَلة بن الحنبل ـ أخ صفوان بن أميّة لأمه ـ : (( ألا
بطل السِّحْرُ اليومَ ! ))، فقال صفوان ـ و هو غير مقر
بالإسلام بعد ـ : (( اسكت فضَّ اللّه فاكَ، فو اللّه لأن
يَرُبَّني – [يملكنى]- رجلٌ من قريش أحب إليّ من
أن يربَّني رجل من هَوازِن )).
و
في خضم هذا الاضطراب قام العباس بن عبد المطَّلب ينادي الأنصار بطلب من النبى؛ و
كانت الدّعوى أوّل ما كانت : (( يا لَلأنصار ))،
ثم انتهت أخيراً : (( يا لَلْخزرج ))، و
قيل إنّ النّداء اقتصر أخيراً على بني الحارث من الخزرج، و كانوا مشهورين بالثبات
في المعارك، و أخيراً انقلبت موازين القوى، فصار النصر حليف المسلمين .
حصار
الطائف بعد حُنَيْن
تراجعت
قوات ثقيفٍ المنهزمة نحو الطائف، فتحصّنت فيها لمواجهة قوات المسلمين، الّتي كانت
تسير إليهم؛ ثم إنّ جيوش المسلمين وصلت إلى الطائف، فضربت عليها حصار دام عشرين
ليلة تقريباً، و لم يجرِ اشتباك مباشر بين الطرفين.
تيقّن
النبى من استحالة اقتحام الطائف، فقرّر الرّحيل، ثمّ توجه بعد فشل الحصار صوب
منطقة الجعْرانة، و بها سبي ( نساء ، و أبناء ) هَوازِن؛
و كانت حصيلتهم ستة آلاف من نساءٍ، و أبناءٍ، إضافةً إلى عدد كبير من الإبل و
الشّاءِ .
قسمة
الغنائم
جاء
النبى وفدُ هَوازِن و هو لم يشرع بعد بتوزيع الغنائم، فأعلن استسلام قومهم، و
أقروا بالإسلام؛ عند ذلك خيّرهم النبى بين نسائهم و أبنائهم، أو أموالهم، فاختاروا
أبناءهم و نساءهم، فقال لهم : (( أمّا ما كان لي و لبني عبد
المطَّلب فهو لكم، فإذا صلّيتُ بالناس فقولوا : " إنّا
نستشفع برسول اللّه إلى المسلمين، و بالمسلمين إلى رسول اللّه في أبنائنا و نسائنا
، فسأعطيكم و أسأل فيكم " )) . فلمّا
صلّى الظهر، فعلوا ما أمـرهم به؛ فقال النبى : (( ما
كان لي و لبني عبد المطلب فهو لكم )) ، فقال المهاجرون ، و الأنصار نفس
المقالة؛ لكنّ زعماء القبائل البدوية رفضوا بالنيابة عن قبائلهم، فرفض الأقرع بن
حابس زعيم تميم، و عُيَيْنة بن حصْن زعيم فزارة، و العبّاس بن مِرْداس زعيم بني
سُلَيم، لكنّ قوم الأخير لم يقبلوا بقراره، فقال لهم : (( و
هنّتموني )) .
لمّا
رأى النبى أنّ الأغلبيّة رافضة للتنازل عن المغانم، قال : (( أمّا
من تمسَّك منكم بحقه من هذا السَّبي فله بكلّ إنسان سِتُّ فرائض، مـن أوّل سَبي
أصيبُه، فـردُّوا إلى النّاس أبناءهم و نِساءهم )). و
ما أنْ سوّى النبى مسألة السّبيّ حتى تَّبعه المقاتلون يطالبون قسمة الفيء من
الإبل و الغنم، حتّى ألْجَئُوه إلى شجرة، فتشبكت بردائه حتّى نزعته عن ظهره.
عطاء
المؤلفة قلوبهم
كانت
استراتيجيّة النبى تتلخص بكسب أشراف القبائل، من أجل الحصول على تأليف قلوبهم للإسلام
، وحتى يعلموا أن الإسلام لن يحط من قدرهم؛ وكان الهدف الأبعد هو امر الوصية التى
لم بقى على إعلانها الا القليل، و لهذا شرع بإعطاء أشراف الناس، فأعطى : أبا
سفيان بن حرب و ابنه معاوية، و صفوان بن أميّة ـ العدو الّلدود السابق ، و الَّذي
لم يقر بالإسلام بعد ـ ، و حكيم بن حِزام، و الحارث بن الحارث بن كَلَدة، و الأقرع
بن حابس و عُيَيْنَة بن حصِنْ ـ الّلْذَين
رفضا التخلي عن السبي ـ كل منهم مئة بعير؛ و أعطى دون المئة رجالاً منهم العبّاس
بن مِرْداس؛ فرفض الأخير العطاء، فأعطاه النبى حتّى رضى، و ربّما كي لا ينكسر بعد
أنْ رفض قومـه طاعته، و يزداد وهنه على وهن . و
قد بلغ عدد المؤلفة قلوبهم الأربعين. و
من أجل نفس الهدف أرسل إلى مالك بن عوف يعرض عليه صفقة تتضمن إعلان الإسلام مقابل
رد أهله، و ماله، إضافة لحصوله على مئة بعير؛ فأُخبر مالك بذلك ، فخرج من الطائف،
و أعلن إسلامه.
أثار
ذلك حنق بعض المقاتلين من الأعراب ، فجاء رجلٌ إلى النبى من بني تميم يُقال له ذو
الخُوَيْصِرَة ، فقـال : (( يا محمّد ، قد رأيتُ ما صنعتَ في
هذا الـيوم )) ، و تابـع الرجلُ قائلاً : ((
إنّك لم تعدل اليومَ )).
موقف
الأنصار
ما
إنْ أعطى النبى قريشاً، و قبائل العرب المشاركة، و لم يعطِ للأنصار شيئاً، حتى
شرعوا بالاحتجاج على نتائج القِسْمَة، فقالوا لبعضهم : (( لقد
لقي واللّه النّبيّ قومه ))، و قال رجل من الأنصار (( ما
أراد بها وجه اللّه )) ، و قالوا : ((
سيوفنا تقطر من دمائهم و غنائمنا تقسم فيهم )).
توجه
سعد بن عبادة إلى النبى من أجل أنْ ينقل إليه اعتراض الأنصار على قِسْمَة الفيء، و
حرمان الأنصار منها.
هنا
أدرك النبىٌ خطورة الوَضْع ؛ فجمع الأنصار ، فخطب فيهم قائلاً : ((
و اللّه لو شئتم لقلتم فصدقتم : أتيتنا
مكذّباً فصدّقناك، و مخذولاً فنصرناك، و
طريداً فواسيناك، أوَجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعة من الدنيا تألّفت
بها قوماً ليُسْلموا، و وكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون أن يذهب الناسُ بالشاة و
البعير، و ترجعوا برسول اللّه إلى رحالِكم ؟ و الَّذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنتُ
امرأً من الأنصار، و لو سلك النّاس شِعباً و سلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شِعبَ
الأنصار )).
تمكّن
النبى من السيطرة على احتجاجاتهم بخطابه المؤثّر، و قيل إنّ القوم قد بكوا حتّى
بلّوا لحاهم بالدموع ، و قالوا : (( رضينا برسول اللّه قسماً و حظاً )).
لكنّ
جمرات مشاعر الغبن و الحرمان كانت تتقد تحت الرماد، و سرعان ما بدأت تطفوا إلى
السطح .
حملة
تَبُوك ( رجب ـ 9 هـ / 630 م )
بعد
إقامة النبى في المدينة ثمانية أشهر ـ ما بين ذي الحجَّة إلى رجب ـ ، أمر الناسَ
بالتَّهيُّؤ لغزو الروم، و قد أخبر عن مقصده خلافاً لعادته؛ فأعلن سببَ قيام
الحَمْلَة أنباءً بلغته بأنّ هرقل ملك الروم البيزنطيين، و حلفاؤه العرب المسيحيون
قد عزموا على التوجه إليه.
كان
الحـرّ شديداً، و البلاد مجدبةً، و أوضاع النّاس الماديّة سيئةً، فتجهّز المقاتلون
على كره، و لذلك سُمي الجيشُ جيش العُسْرة؛ و زد من سوء الأمر أنّ قرار الحَمْلة
جاء و الحالة الداخليّة في المدينة كان بالغ الحساسيّة ؛ إذ تعقد الوَضْع في
المدينة سياسيّاً و اجتماعيّاً، و برزت أعراض أزمة خطيرة هدّدت بتقويض استقرار
المركز الإسلاميّ الأم، وقد برزت أعراض هذه الأزْمَة عبر انتشار ((النفاق)) في
المدينة – الطابور الخامس- بعد
فتح مَكَّة، و انتصار حُنَيْن، و كان مسجد الضرار أحد تجليات هذه الأزمة في
المدينة، الّتي خطط البعض للأستفاده من السخط العام فى المدينة وعمل على استقطاب
انصار لعملية الانشاق.
كان
الأنصار يأملون بالحصول على غنائم تعوضهم تكاليف سنوات الصراع الثّمانية مـع قريش،
و لتكون أيضاً اعترافاً بمركزيّة نضالهم المشترك مع المهاجرين في تحقيق النصر
الكبير على قريش . لكنّ دهشة الأنصار كانت عظيمة
بصدور قرار العفو، دون الرجوع إليهم، و دون أنْ يسفر الفتح عن أيّة غنائم ؛ و زاد
من تعقد الوَضْع موقعة حُنَيْن، و الّتي أبلى فيها الأنصار بلاءً حسناً، و بفضلهم
تحولت المعركة إلى نصر، بعد أنْ كادت قوات المسلمين تُمنى بالهزيمة، والنبى نفسه
هو من استنجد بهم بعدما رأى فرار المقاتلين؛ فعبّر الأنصار عن هذه المفارقة،
فقالوا بعد قِسْمَة غنائم حُنَيْن : (( إنّ هذا لهو العجب أنّ سيوفنا
تقطُر من دمائهم و إنّ غنائمنا تُرَدُّ عليهم )).
كانت
غنائم حُنَيْن كثيرة، و كافية، و كان يمكن أن تُعوّض الأنصار نسبيّاً عن نتائج
مَكَّة المخيبة لآمالهم، لكنّ النبى وفق حسابات تراعي الظروف السياسيّة المحيطة
به، قرّر أنْ يقدّم ثمن للقبائل المشاركة في صنع هذا الحدث ، و الّتي شاركت من أجل
الحصول على الغنائم و حسب ؛ و أحد أبرز الأمثلة هو عُيَينَة بن حِصْن الَّذي شارك
قريشـاً في غزوتها الفاشلة للمدينـة ـ الخندق ـ في شوال سنة ( 5 هـ / 627 م ) ، كما شنّ في سنة ( 6 هـ ) هجوماً
على مشارف المدينة، و استطاع الاستيلاء على إبلٍ النبى نفسه، و قتل راعيها، و خطف
زوجه. و في حصار الطائف علّل عُيَينَة
مساعدته النبى برغبته في الحصول على فتاة منهم كي تنجب له ولداً، لأن ثقيفاً كانت
مشهورة بالدهاء و الفطنة.
شرع
النبى يوزع الغنائم على هذه القبائل، و أعطى بسخاءٍ لقياداتها ، مثل عُيَينَة
الَّذي وصفه بـ (( الأحمق المطاع )) ،
مستثنياً الأنصار، كما كان يخطط كبح نزعات التمرّد، بوصفهم حديثي العهد بالإسلام
كما شرح للأنصار.
و
إذ تمكّن النبى من السيطرة على انفعالات الأنصار بخطبة مؤثرة فـي ساحة المعركة، و
منع الحدث من التفاعل سلبياً في حينه، إلاَّ
أن تداعيات الحدث لم تنتهى، وبقى جذوة الغضب كامنة في بعض نفوس الأنصار .
فكان
هذا الوَضْع بلا شك البيئة المثلى لمشاعر الإحباط و الغضب، و الشّعور بالظّلْم،
التى تم استثمارها من قبل المنافقين والطابور الخامس الذى كان يراقب الوضع فى
المدينة عن كثب قبل أن يقطع النبى عليه هذه الخطة بحشد الناس إلى مكمن الخطر فى
تبوك .
و
لهذا بالضبط تقرر القيام بغزوة تَبُوك ، بالرغم من تبرّم النّاس منها ، و بروز
معارضة جديّة لهذه الغزوة، لعب فيها المنافين الدور الاعظم حتى لا يخمد النبى مركز
الفتنة والتخطيط، و كانت إحدى الحجج الرئيس لمعارضي الحملة هي شدة الحر، و عدم
ملائمة الطقس للقيام بهذه المهمة ، فكان تحذير القرآن لهم شديداً : ((
و قالوا لا تنفِرُوا في الحرِّ ، قُل نَارُ جَهَنّم أشدُّ حرّاً لو كَانُوا
يَفْقَهُون ))التوبة: 81.
كما
كان بعض المعارضين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبّطون النّاسَ عن المشاركة في
الحملة؛ و إذ كان الوَضْع لا يحتمل التساهل فقد بعث النبى إليهم طلحة بن عبيد
اللّه في مجموعة من المسلمين و أمرَهُ أن يُحرّق البيت على المجتمعين.
و
من أجل الإسراع بتجهيز الحملة ، حثّ النبى أغنياء المسلمين على تمويلها، و قد
أدركت هذه النّخبة الماليّة خطورة الموقف، وشعروا بإحراج وخوف، و استشعرت إرهاصات
الانفجار الاجتماعيّ؛ فقامـت بالحفاظ على وضعهم خوفا من أن يتبدل، و كان أبرز
المموّلين لها عثمان بن عفان .
في
هذا الظرف الحساس أُنجز بناءُ المسجدِ، و عشيّة خروج النبى لتَبُوك قدم إليه
بُناته مستغلين انشغاله وأنهم يمكن أن يلبسوا عليه الامر، و طلبوا منه المجيء
ليصلّي في مسجدهم ؛ و قد علّل بُناة المسجد سبب بنائه بأنّـه للضعفاء منهم، و أهل
العلّة في اللّيْلَة الماطرة، ولكن النبى يدرك مدى خطورة الوضع، و حقيقة توجهات
بُناته ، فاعتذر منهم ، قائلاً : (( إنّا على سفر ، و لكن إذا رجعنا إن
شاء اللّه )). أمّا
لِمَ لم يهدم المسجد كما فعل ببيت سويلم مع وجود هذه الشكوك ، بينا قرره هدمه بعيد
حملة تَبُوك ؟ فهو يعود إلى الأسباب التالية :
أولاً،
أراد النبى جمع كافة المعلومات المتعلقة بخطة البناء وخطة الانشقاق، و إنّه كلّف
من يراقب له طبيعة النّشاط في المسجد؛ فلما آب من تَبُوك، و نزل بذي أوان – على
مشارف المدينة- في
طريق عودته إلى المدينة أتاه خبرُ المسجد، أي بكلمات أخرى جاءته معلومات دقيقة عن
الأهداف الكامنة وراء بنائه؛ ثانيّاً ، لم يرَ فيه خطراً مباشراً على سلطته أو على
دعوته لحملة تَبُوك، ففضل التريث بشأنه؛ حتى تتوفر كافة المعلومات لديه. و
أخيراً، تعرض النبى لمحاولة اغتيال أثناء عودته من تَبُوك، و الراجح أن هذه
الحادثة قد لعبت الدور الأهم في قرار إحراق المسجد .
تجمّعت
القوات المتجهة إلى تَبُوك، و توزعت إلى قسمين : القسم
الأول مع النبى، و تمركز في ثنيَّة الوَدَاع ؛ و القسم الثاني مع عبد اللّه بن
أبيّ ابن سلول ، فكانت قوات ابن أبيّ لا تقلّ عدداً عن قوات النبىٍ، فلمّا سار
بقواته ، تخلّف عنه ابن سلول بقواته، و ينقل الطبري قول الحسن البصري إن فيهم جاءت
الآية : (( لقد ابتغوا الفِتْنةَ مِنْ قَبْلُ
، و قلّبوا لكَ الأمُورَ )).
وصل
النبى إلى تَبُوك، و هناك عقد اتفاقاً مع يُوحَنَّا بن رُؤبة صاحب أيْلَة [ العقبة
اليوم ] ، مقابل إعطاء الجِزْيَة، و أتاه
أهل جَرْباء و أذْرُح، فأعطوه الجِزْيَة، مقابل اتفاقات محددة. ثُمّ
أقام في تَبُوك بضع عشرة ليلة ـ كما تقول
المصادر و دون أن تعين عدد أيام إقامته ـ ، و لم يحدث الصدام المسلح مع الروم و
العرب المسيحييّن، فعاد إلى المدينة. و
في طريق عودته أمر الجيش بالمسير من وادٍ ، و صعد هو طريقاً في أعلى الجبل و كان
معه عمار بن ياسر ، و حذيفة بن اليمان .
اغتنمت
مجموعة معادية للنبى هذه الفرصة، فتوجهت
إليه، و كان أفرادها متلثمين و حاولوا طرحه من رأس هذه العقبة في الطريق، لكن
المحاولة لم تنجح لأن حذيفة لوح أمام وجوه رواحلهم بمحجنة - عصى
معوجة -، فأسرعوا بالفرار و دخلـوا بين
الجند ، فقال القرآن : (( وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا )) التوبة : 74،
ولا يُعرف أحد مِنَ المشاركين في هذه العملية الفاشلة، لكن توجد رواية تذكر أسماء
المجموعة و فيها أفرد من بُناة مسجد الشقاق، فكانت هذه المحاولة تنم عن أن بناة
المسجد ادركوا اشياء لم يدونها كتاب السير، وادركوا أيضا مدى خطورة الاتفاق الذى
لم يعلنه النبى على المسلمين، ولكن السؤال من أين عرفوا اتفاق النبى رغم أنهم لم
يحضروه ولم يعلمهم به النبى؛ أعتقد جزما أن هؤلاء كانوا عملاء للبيزنطيين الروم
والمسحيين فى تبوك .
على
أي حال تحقق الهدف الرئيس للنبى، وهو نزع فتيل الأزمة الداخليّة ، و تجاوز مخاطر
وقوع صراع بين المهاجرين والأنصار داخل المدينة، و سيتمكن النبىٌ من تجاوز هذه
المعضلات عندما يبدأ بحصد نتائج سياسته التي اتسمت ببعد النظر فور رجوعه للمدينة
مع قدوم وفود القبائل العربيّة إليه .
لما
اقترب من المدينة بعث فريقاً إلى ذلك المسجد من أجل هدمه قبل دخوله المدينة . و
قد كان بُناة المسجد صلوا فيه ثلاثة أيام، فانضاف عامل أخر ـ تفعيل البناء ـ إلى
المعلومات الّتي وصلته و هو بذي أوان، و محاولة اغتياله، و التي نرى أنّها الدافع
الرئيس للتخلص من بؤرة الخطر؛ فبعث النبى مالك بن الدخشم، و معن بن عدي أو أخاه
عامر بن عدي، و ضم القرطبيّ و البغوي في تفسيرهما وحشياً ـ قاتل حمزة ، بينا أضاف
البغوي عامر بن السكن .
ندد
القرآن ببُناة المسجد، و اتهمهم بأنهم كانوا يخططون لجعل المسجد مركزاً لِمن حاربَ
اللّهَ و رسولَه ، فقال : (( و الّذينَ اتَّخذُوا مَسْجِداً
ضِراراً و كُفراً و تفريقاً بين المؤمنينَ و إرْصَاداً لِمن حاربَ اللّهَ و
رسولَهُ من قبلُ و ليَحْلِفُنَّ إنْ أردنا إلاّ الحُسنى و اللّهُ يشهدُ إنّهُمْ
لَكَاذِبُونَ )) التوبة : 107.
تقول
التفاسير بأن (( إرْصَاداً لِمن حاربَ اللّهَ و
رسولَهُ من قبلُ )) ، أي انتظاراً و إعداداً لِمَنْ
حارب اللّه و رسوله ، ولم يبحث جمهور المؤرخين ولا المفكرين تعبير القرآن (إرصاد) واكتفوا
ربما رغبة أو رهبة بإدخال الناس إلى متاهات القصص، ولكن قطعوا بان المقصود بالآية
أبا عامر الرّاهب ؛ فمن هو أبو عامر الراهب ؟
أبو
عامر الراهب
أبو
عامر الرّاهب لقب لعبد عمرو بن صيفيّ الّذي كان يعيش في المدينة قبل الهجرة
النبويّة و هو ينتمي للأوس أو للخزرج؛ و لُقّبَ بالرّاهب لأنّه كان يلتزم سلوكاً
زهديّاً ، مما حدا ببعض المؤرخين لاعتباره مسيحيّاً ؛ مع أنّه لم تُوجد دلائل على
حضور المسيحيّة في يثرب .
أعتنق
أبو عامـر الرّاهب المذهب الدينيّ ذا الطابع التوحيديّ ـ الحنيفية ـ ؛ و توجد
معطيات تسمح لنا بافتراض أنّ الحنيفية مذهب نشأ تحت تأثير المسيحيّة ، دون أن تكون
المسيحيّة منبعه الوحيد ؛ و لأنّ المؤرّخين كانوا يفتقدون للثقافة اللاهوتيّة التي
تسمح لهم بتصنيف الأديان و المذاهب فإنّهم اعتبروا أبا عامر مسيحيّاً عن غير حقٍ،
و على الرغم من أنّه وصف نفسه حنيفياً .
يعتقد
" جيب " بأنّ كلمة حنيفي ذات جذر
سرياني، فقال إن السريان كانوا يعتبرون الأحناف وثنيـين، استناداً إلى الكلـمة
السريانية حَنفُو ( أي وثني )؛ و
نجد في القاموس السرياني : حَنُفُتوا ( وثني
، كافر )، حَنفُويْت ( بوثنية
)، حَنفُوتو ( وثنية
، إلحاد )، حَنِف ( يوثن
، يجعله وثنياً ).
و
تعزز رواية أخباريّة هذا الفرض، إذ تفيد هذه الرّواية بأنّ وفداً مسيحيّاً قدم على
النبى في عهد الدّعوة المكيّة، و تقول الرّاوية إنّ الوفد جاء من الحبشة، و رواية
أخرى إنّه جاء من نجران. و الرّاوية إنْ صحت فإنّها تشير
إلى علاقة مبكرة بالحبشة تعود لوجود قواسم دينيّة مشتركة، و ربّما كان الوفد يقوم
بجولات تبشيريّة، أو زيارات رعويّة لأتباع الديانة المسيحيّة أو لِمَنْ يُعتقد
أنّه يقع ضمن دائرة الأتباع؛ و هذا ما يفسر ـ برأينا ـ سبب اختيار النبىٍ الحبشة
مقصداً لهجرة المسلمين الأوائل .
كان
ثمّة تطورات اجتماعيّة خلقت الحاجة إلى شكلٍ دينيٍ توحيديٍ، و قد فشلت المسيحيّة
في تلبية الحاجات الروحيّة ـ مثلها في ذلك مثل اليهوديّة ـ ، و لهذا عجزت على
اختراق مجتمعات الجزيرة العربية إلاّ في حدود ضيقة . و
عندما تكوّنت الحنيفية برزت شخصيّات عبّرت عن هذا التوجه الديني الجديد ؛ فكان
منهم في مَكَّة زَيْدُ بن عَمْرو بن نُفَيل ، الّذي كان يقول : ((
إلهي إله إبراهيم ، و ديني دين إبراهيم )) ، و
هناك روايات تتحدث عن جولات كان يقوم بها، و أنّه تعرّف على معالم الديانتين
اليهوديّة والمسيحيّة، و قد تُوفي قبل الدعوة الإسلاميّة بحوالي خمس سنوات في
أثناء هذه الجولات، و ربّما يجب دراسة دوره ـ و دور الحنيفية ـ في تهيئة الجو
الديني في مَكَّة من أجل استقبال الإسلام .
كان
أبو عامر ينتسب إلى هذا التيار، و كان يتمتع بنفوذ معنوي في قومه و هذا يعود
لمكانة اجتماعيّة لم تحددها المصادر التاريخية؛ ولكن الاستقراء يشير أنه ارتبط
بعلاقة ما مع الدولة البيزنطية والامراء المسيحين فى الشام، مما أعلى من شأنه في
يثرب قبل الهجرة، و في الحقيقة لم يكن يضاهي نفوذه إلاّ نفوذ ابن خالته عبد اللّه
بن أُبّيّ ابن سلول، الَّذي رشحه اليثاربة ليصبح زعيمهم الأوحد بعد أنْ أنهكتهم
الفوضى الاجتماسيّة، و غياب الأمن فيها بسبب من افتقاد المجتمع اليثربي لمؤسسات
سياسيّة تدير شئونه و تنظم حياته .
بعد
هجرة النبى إلى المدينة ( 622
م ) جرى لقاءٌ بينه و بين أبي عامر، و قد وصلنا نصٌ مجتزأ
من الحوار :
ـ
أبو عامر : ما هذا الذي جئت به ؟
ـ
النبىٌ : جئت بالحنيفية ، دين إبراهيم .
ـ
أبو عامر : أنا عليها .
ـ
النبى : إنك ليست عليها .
ـ
أبو عامر : بلى ، إنّك أدخلت يا محمّد في
الحنيفية ما ليس فيها .
ـ
النبى : ما فعلت ، و لكنّي جئت بها بيضاء
نقية.
يتبين
من الحوار إنّ النبى حاور أبو عامر باعتباره
ممثلا اتجاه ديني لديه استعداد أولى للإسلام، و عندما لم يتمخض الّلقاء عن
اتفاقٍ صار الخلاف حتميّاً، إذ كان كلُ واحدٍ منهما يرى نفسه ممثل الاتجاه الصحيح
للحركة الحنيفية ، و مما وسع شقة الخلاف أن نفوذ أبي عامر أصبح مهدداً من قِبل
نفوذ النّبيّ المهاجر . و بهذا خرج أبو عامرٍ من هذا
الّلقاء ـ هذا إذا لم يكن ثَمَّ لقاءات أخرى ـ و هو يرفض الاعتراف بشرعيّة النبى ـ
كما يتضح من الحوار.
ما
يثير الانتباه هو قول أبي عامر للنبى : ((لا
أجد قوماً يقاتلونك ، إلاّ قاتلتك معهم)) ،
فماذا كان يقصد به ؟
بعد
انتصارُ بدر ( 2 هـ / 624 م ) ، و الّذي غيّر من تركيبة الخريطة السياسيّة للمدينة،
مع توطد سلطة الدولة المحمدية فيها على حساب مواقع مناوئيه اليثاربة ـ و هم عموماً
أصحاب النفوذ السابق و زعماء القبائل فيها ـ قرر أبو عامر الالتحاق بمَكَّة حيث
قريش ـ الأعداء الرئيسيون ـ ، و خرج معه خمسون شاباً من الأوس، و بعض الرّواة
يقولون خمسة عشر؛ و بذلك أخذت معاداته منحاً حاداً ، و لهذا القرآن (( فاسقاً
)).
أمّا
عبد اللّه بن أبيّ، الَّذي لم يكن في وسعه إيقاف حركة اعتناق الدِين الجديد فقد
قرر اعتناق الإسلام ظاهرياً، من أجل التغلغل وسط المسلمين في المدينة، و إن بقي
على عدائه العملي للإسلام ؛ متخذاً بذلك أسلوب العملاء والجواسيس من الداخل، والتي
ستعرف في التاريخ الإسلامي باسم النفاق .
عندما
قرّرت قريش الثأر لهزيمتها في بدر ، اشترك أبو عامر معهم في معركـة أُحد ( 3 هـ / 625 م ) ، لأنّه كان قد توعّد النبى ، قائلاً له : ((
لا أجد قوماً يقاتلونك ، إلاّ قاتلتك معهم )). و
شاركه خمسون رجلاً من قومه و يبدو أنّهم أولئك الذين خرجوا معه، أو ربّما آخرون
التحقوا به ، فكان أوّل من اصطدم بجيش المسلمين في الأحابيش و أرقّـاء مَكَّة .
حاول
أبو عامر قُبيل المعركة التأثير على الأنصار، لكنّه فشل في مسعاه و سمع منهم
كلاماً مقذعاً ، فقال : (( و اللّه لقد أصاب قومي بعدي شر )) ؛ و
مع ذلك حقّق بعض ثأره من النبى فقد أُتهم بالتسبب بجـرح وجه النبى ، و كسر رباعيته
اليمنى، و السفلى، و جرح شفته السفلى لأنّه قام بحفر حفر فيما بين الصفين ليقع
فيها المسلمون، فوقع النبى في إحداهنّ.
بعد
أنْ نجح النبى في فتح مَكَّة ( 8 هـ / 630 م )، و ألحق هزيمة نكراء بهَوازِن في موقعة حُنَيْن غادر
أبو عامر الجزيرة العربيّة إلى الشام، و تشيرالرّوايات أنّه طلب معونة البيزنطيين
لمحاربة المسلمين، و المؤكد إنّه لم يجد و لم يكن يتوقع من البيزنطيين غير ملاذٍ
له، إذ ليس ثمّة ما يدلّ على أنّ البيزنطيين حاولوا أن يُورّطوا جيوشهم في صحراء
الجزيرة العربيّة، ولكنهم عمدوا إلى تنشيط كل الخلايا النائمة داخل الجزيرة وخاصة
فى المدينة ونشط على أثر ذلك حركة الطابور الخامس التى عرفت بأسم "
حركة المنافقين" .
من
الشام شرع أبو عامر يتصل ببعض رجال المدينة، و قد تمكن فعلاً من استمالة بعض
الأنصار إليه؛ فطلب منهم أن يتخذوا له مركزاً دعويّاً، و ربما ليكون معقلاً
لأنصاره في المستقبل، و تقرر أن يكون هذا المركز مسجداً.
يعود
نجاح أبي عامر في تحقيق هذا الاختراق المتأخر إلى عاملين :
أولهما
، و هو الأهم المناخ المتوتر في المدينة و الّذي سبب للنبى جملة من المعضلات
السياسيّة وقد وصلت ذروتها في محاولة اغتياله ، فساعدت هذه الظروف أبا عامر على
اكتساب بعض الأتباع، و لقيت نداءاته للتمرّد أذناً صاغية من قِبل بعض الأنصار .
ثانيهما
، هو طبيعة مجتمعات الجزيرة العربية والتي تتسم بالتشظي، فكان السبب المباشر الذي
حفز بناء المسجد ـ المركز ـ هو قيام بنو عمرو بن عوف ـ من الأنصار ـ ببناء مسجد
قباء، و طلبوا من النبى القدوم إليهم ليصلي في مسجدهم؛ فأشعل ذلك نار الحسد في بني
عمومتهم بني غنم بن عوف، و قرروا بدورهم في حمّى المنافسة بناء مسجد ، و وافقـوا
أيضاً على جعل المسجد مركزاً لأبي عامـر في حال قدومه. و
الجلي هنا إنّ قرار بُناة المسجد بجعله معقلاً لأبي عامر في حال مجيئه هو رغبتهم
في إضفاء بعدٍ مقدسٍ على مكانهم، و يستطيع أبو عامر بوصفه حاملاً لصفة "
الحنفى" أنْ يمنح مسجدهم القداسة في مواجهة
البعد المقدس لمنافسيهم ـ بُناة مسجد قباء ـ ، الَّذين تلقوا مباركة النبى .
ولكن
للخطة أبعاد أخرى أكثر جذرية من كل ذلك؛ فبعد فتح مكة واستكمال النبى لخطة ضم
الحرم المكى لحياض الإسلام، اقتربت لحظة إعلان الوصية، وهذه اللحظة افزعت
الكثيرين، حيث أن استكمال رسالة الاسلام بعد النبى بالوصى يقطع عليهم الطريق والأمل
فى اختراق الدين والوصول الى طبقة الحاكمة بعد النبى، وهنا كانت اللحظة المناسبة
حتى يستجمع البيزنطيين كل جمهور الغاضبين والطامحين والعملاء فى صف واحد يقتلون
النبى محمد قبل الاعلان، وبهذا يتسنى لهم استكمال خططهم وهدم الدين، وكانت أجراءات
الاحترازية اسبق منهم إذ عمد النبى إلى ترك فارسه وقائد جيشه واعلان الوصية على
الملا حين قال له " انت منى بمنزلة هارون من موسى"
فى اشارة لوصية موسى لهارون حينما ذهب يناجى ربه ...
هذه
خلفية بناء المسجد، و الذي تحوّل بعد ذلك أنقاضاً، و صار مكباً للنّفايات بأمرٍ من
الله. و بذلك يكون أبو عامر ـ الجاسوس ـ
قد فشل في آخر مساعيه لتقويض سلطة النّبيّ الحنيفي ، فمات في المنفى الاختياريّ في
قنسرين، أو في الحبشة عند النجاشي. و تتحدث الأنباء عن أنّ موته كان
سنة تسع أو عشر هجريّة.
و
قد أساء أبو عامر تقدير موازين القوى في المدينة، و كان على ما يبدو يتجاهل
انتصارات الحركة الإسلاميّة الأخيرة ، و أنّه أمام نبى وليس زعيم سياسى فقط، و
توحي شكل المحاولة ـ مسجد للضعفاء ـ عن أنّ أبا عامر- ومن
ورائه- أراد
التوجه لنفس القاعدة الاجتماعيّة الّتي كان يتوجه إليها النبى في الفترة المكّيّة،
لكنّ محاولته جاءت متأخرة زمنياً و خارج البيئة بعد أن تمكّن النبى من استنهاض
مجتمع المدينة، و توحيده في مسار لبناء المجتمع المتماسك.
أسماء
بُناة المسجد:
·خذام
بن خالد، و من داره أُخرج المسجد ( من
بني عمرو بن عوف ) .
·ثعلبة
بن حاطب.
·معتِّب
بن قُشَير ( من بني ضبيعة بن زيد ) .
·أبو
حبيبة بن الأزعر ( من بني ضبيعة بن زيد ) .
·جارية
بن عامر، و ابناه : 6 ـ
مُجَمِّع ، 7 ـ
زيد .
8- نَبتل بن الحارث ( من
بني ضبيعة ) .
9- بَخْرج
( من بني ضبيعة ) .
10- بجاد
بن عثمان ( من بني ضبيعة ).
11- وديعة
بن ثابت .
12- عبّاد
بن حُنَيف.
ينفرد
القرطبي بذكر : عباد بن الأزعر. و
قد صلى بهم مجمع بن حارثة .
ولكن
الحقيقة أن تلك الأسماء كلها أو اغلبها منحولة وغير حقيقة وبقى الطابور الخامس
والمنافقين غير معروفين لانهم بعد وقت أصبح أغلبهم له سلطة الحكم فى الدولة التى
اعقبت انتقال النبى .
0 تعليقات