آخر الأخبار

بوتين واردغان ... تجليات اللحظة وحرب الجغرافيا والطاقة




محمود جابر



الحضور الروسي فى تركيا أمر يفرح البعض ويقلق الكثيرين خاصة فى مصر، فالعداء التركي لمصر يجعل البعض قلق من اقتراب الحليف المحتمل لمصر كل هذه المسافات مع تركيا وبعد الذين يبغضون روسيا يرون أن التقارب التركى الروسى فرصة ذهبية يجب استغلالها للعود إلى العلاقات الدافئة مع الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى، ولكن قبل الشروع فى هذ الحديث علينا أن نقر مجموعة من الحقائق الهامة :
- أن كل مشاريع الإسلام السياسى - الراديكالي- هى مشاريع غربية أمريكية .
- أن تركيا جيشا وحكومة مؤسسة أمريكية أطلنطية.
- أن أردوغان أحد مشروعات الولايات المتحدة الأمريكية .
- أن أهمية تركيا استراتيجيا للغرب يأتي من ملاصقة جغرافيتها مع الجغرافيا الروسية وأنها تمثل شريان ملاحي أوحد لروسيا .

لحظة الاقتراب
الدافئ بين روسيا وتركيا حين هاتف بوتين الرئيس التركى إردوغان فور نجاته من الانقلاب فى منتصف يوليو 2016، ثم فوجئ الجميع بزيارته لموسكو يوم التاسع من أغسطس.
 الزيارة كانت تحمل تأكد إشاعات أن بوتين كان قد سرب إلى أردوغان معلومات هامة عن الانقلاب الذى تم ضد حكمه قبل حدوثه. المعلومات شديدة الحساسية مكنت أردوغان من الهروب ممن حاولوا الانقلاب عليه ومن إجهاض المحاولة كلها، التى كان مركزها القاعدة العسكرية الهامة لحلف الأطلنطي فى إنجرليك. قد تبدو تلك الرواية تجسيداً لروايات ونظريات المؤامرة، إلا أن موقع (مركز كارنيجى) نشر يوم العاشر من أغسطس مقالاً أشار فيه أن "وكالة أنباء (فارس) قد أشارت بتوفرت معلومات لها من مصادر دبلوماسية أن المخابرات التركية حصلت على معلومات روسية عن انقلاب وشيك فى تركيا قبل حدوثه"، وأشار المقال أيضاً إلى "أن قدرات التصنت الإلكتروني الروسية المتواجدة فى اللاذقية فى سوريا هى مصدر تلك المعرفة"، وأضاف الموقع أيضاً: "إن التحول فى موقف أردوغان من روسيا، وتقاربه معها هو ما دفع الروس إلى تسريب المعلومات له، وأن هذا التقارب الروسى ــ التركى قد يكون سبب الانقلاب، وقد يكون سبب تسريب الروس المعلومات لإردوغان لإنقاذه".
لتركيا إذن حرص تقليدى على عدم إغضاب جار ضخم جبار، فتركيا ذات الموقع الخطير لا تستطيع أن تعادى روسيا تماماً ولا يستطيع الروس إلا السعى الدائم «لدق إسفين» بينها وبين حلفائها الغربيين.
الدور التركى فى السياسة العالمية دور محدود إلا فى لحظات حدة الصراع مع روسيا، ولقد ازدادت أهميته فلقد دخل سوريا ٣٥٠ ألف مقاتل ومرتزق أجنبى يرتدى وشاح الإسلام مرتزقة تم تجنيدهم من باريس للصين ومن مصر والسودان لماليزيا وقرغيزستان. ولقد كان لتركيا أو لمصفوفاتها دور عظيم فى امتصاص هؤلاء المرتزقة وترتيب مسارات الدم لهم لقاء هبات مالية عظام، ولكن طباخ السم يذوقه، فقد أتت لحظة الخلافات الحادة وتسديد الفواتير. فتركيا التى تحولت إلى الترس الأساسى فى مفرمة الدم فى شمال سوريا والعراق وليبيا وسيناء تواجه تداعيات تعمقها وخوضها فى بحر الدماء. فالأمر الكردى صار سكيناً أقرب من حبل الوريد وهذا ما يفهمه الروس جيداً، فروسيا لها حلفاء وسط الأكراد وهى ترى القضية الكردية بشكل محايد. فهى تتفهم تلاعب القوى العالمية بها ولكنها أيضا تتفهم قضيتهم القومية، ولذا فإن لروسيا علاقات لعقود مع قوى كردية كالحزب الديمقراطى الكردستانى فى العراق، وحزب العمال الكردى فى سوريا. وروسيا لذلك تتفهم المعضلة التركية التى صارت إحدى بؤر مشروع الفوضى الخلاقة. تخوض روسيا معركة كونية معقدة مع من يحاصرونها ويقتحمون مجالها، ففى منتصف يونيو ٢٠١٦ وأثناء القمة الاقتصادية فى بتروجراد دعا بوتين كبار الإعلاميين الغربيين الحضور لحوار خاص معه، وكان يستهدف إعلامهم مباشرة بما يواجه البشرية من مخاطر عظام إذا استمر الغرب فى حصار روسيا وفى تصعيد التوتر فى العالم. ففى تطور جرئ أعلن الزعيم الروسى فلاديمير بوتين أن روسيا تلافت مصيدة سباق التسلح التقليدي، وإنها حققت نجاحات عظام فلقد نجحت فى ابتكار أنواع جديدة من أسلحة غير تقليديه. ولهذا فإن التقبل لحل سلمى يقبل بقاء سوريا موحدة يعنى هزيمة أصحاب مشروع أكبر من الشرق الأوسط كله رغم أن مموليه ورجاله من المنطقة. ولكن هزيمة مشروع تقسيم سوريا قد يكون كزلزال سقوط سايجون فى فيتنام؟؟ ولكن هذه المرة مركزه دمشق، وقد تصل تداعياته إلى سواحل بحر العرب وخليجه، إن لم تكن قد وصلت فعلاً!
لهذا فانا لا اعتقد ان العلاقه الروسيه التركيه تتجاوز سقف علاقه الجوار القديمه من عهد القياصره مرورا بالدوله البلشفيه وانتهائا بأيامنا هذه. توجد بالطبع خلافات وتشككات تركية غربية وأهمها هو تبني مصفوفات غربية واسعة المشروع الكردي. موقف الروس بهذا الشأن هو موقف تمتزج فيه أفكار الاشتراكية التي تحترم حق تقرير المصير مع التمترس خلف (منظومه القوانين والمؤسسات الدولية ) فالدفاع عن الأعراف الدولية واستقلال الدول ضامن وحيد لعدم توحش وجنون الحرب الغربي وهو ما يسعي الروس دوما وتاريخيا لتلافيه. ولهذا فالروس موقفهم أميل الي عدم قيام دوله كرديه وان كانوا يتابعون أمور القضية بدقه مع تواجد تاريخي وسط القوي الكردية. هذا الموقف الروسي واقعيا يحمي الدولة التركية من التشرذم وهو موقف مفيد للعالم العربي.
سعي الروس لضبط النفس وبناء علاقه تزداد دفئا مع اردوغان الذي اكتشف متأخرا ربما ان وحده بلاده سيبتلعها المشروع الكردي. فلقد تداخل المشروع الكردي مع أكذوبه داعش وصارت له شبه خريطه. تخفيض حده التوتر في الشرق الأوسط هو هدف يفيد جميع شعوب المنطقة فهل تحمل زيارة بوتين لتركيا ودعوته لإيران جنينيات تفكيك مشروع المجابهة مع إيران. وهو بالطبع ما يغضب أطراف كثيرة.
أما عن الغاز ففي الحقيقة أنا لا افهم في آليات سوقه ولكنني لا اعرف ما هي العلاقة بين محطة نووية ومشروع أنابيب غاز. ما يعنيني بالنسبة لمصر هو أن هناك قوي مصرية تتبني رؤية دائمة معاديه لروسيا و هم بهذا يعزلون مصر عن الحليف الوحيد المحتمل لاستقلاليه القرار السياسي المصري. هذا الأمر عميق جدا في السياسة المصرية وهو ما اسميه نهج السادات. فوصول السادات الحكم تصاحب أو كان لتنفيذ هذا المشروع. البعد عن الروس أو السوفيت ليس مشكله إنما ماذا ستحصل مقابل فك هذا الحلف ؟ مصر دخلت حرب ٧٣ دون حليف استراتيجي أو مع حلف (بيعرج ) بسبب طرد الخبراء الروس. لكن هذا مناقشه أخري. هناك مصفوفات سياسيه في غرب أوروبا لا قيمه لها إلا بشيئين:
 الأول، توتر في الشرق الأوسط، والثاني الحرب الباردة مع الروس.
 و موضوع الغاز الروسي كورقه روسية في قلب هذا الأمر. لو تصرفنا بوعي وبحنكه لازدادت قيمه قرارتنا بتوطيد امكانياتنا في بنيه النفط الأساسية وان نعتبر أننا لاعب أساسي. اعتقد أن هذا يتم عموما. أما علاقتنا مع الروس فذلك أمر كبير لن نستطيع تجاوز تشككاتهم فينا دون ان ننقب عن حقيقه الصفعه التي وجهتها مصر للاتحاد السوفيتي في عصر السادات دون سبب إلا خيانة الحليف لحليفه.
مصر لعبت دورا مركزيا في تدمير الوجود السوفيتي في العالم من أفغانستان حتي أثيوبيا بل وفي الكونغو.

إرسال تعليق

0 تعليقات